لا شك أن التربية الصحيحة على هدي الإسلام ونهجه والتزام قيمه ومبادئه تمثل الطريق السليم الذي يضمن المستقبل الزاهر للنشء ويحفظ عقولهم وأعرضهم ودينهم.. التحقيق التالي يتناول أثر التربية الإسلامية على الأجيال.

بداية يرى د. محمد حسن غانم أستاذ علم النفس أن دور الأسرة لا يقتصر فقط على رعاية الطفل وتوفير احتياجاته الجسمية فقط، بل إن الأسرة هى المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل العلاقات الإنسانية وما تتطلبه من أدوات وقوانين لغرس القيم الدينية والحضارية في نفس الطفل إذ ما زالت الأسرة هى البوتقة التي تنشأ فيها القيم الأخلاقية والدينية لذا فإن الأسرة لها الدور الكبير في تدريب الطفل على تشكيل الوازع الديني من خلال ثلاث عمليات لنمو الشخصية.

الضبط

ويشير د. محمد حسن إلى أن القدرة على ضبط السلوك تكون كامنة لدى الفرد ويستخدم الآباء شتى الأساليب لتنمية عملية الضبط من خلال الأساليب السوية مثل النصح والتوجيه والثواب والعقاب والأهم مع كل ماسبق أن نكون قدوة لهم لأننا إذا كنا نخالف أسس وضوابط القدوة فإن الطفل قد يتقبل ذلك على مضض ولكن بعد أن يشب عن الطوق ويكبر يبدأ في مواجهتنا وحسابنا فلماذا نضع أنفسنا في هذا المأزق ونواجه باللوم والانتقاد من أبنائنا حين يكبرون؟

تنمية السمات

ويضيف الدكتور أن الآباء في تربيتهم للأبناء يحاولون عادة تنمية السمات المقبولة وفي نفس الوقت يحاولون منع تنمية السمات غير المقبولة حتى يبلغ الطفل مستوى القدرة على ضبط سلوكه فينمي العديد من السمات التي تشكل شخصيته.

نمو الذات

كما يؤكِّد د. غانم أن الأسرة تؤثِّر في الطريقة التي يضبط بها الطفل سلوكه وفي السمات التي ينميها ويستبعدها فإنها تمده أيضاً بالخبرات التي يكون منها فكرة عن ذاته وعن الآخرين.


فالأسرة إذا كانت سوية وتقبل ذاتها وكيانها فإنها تقبل الطفل، والطفل رغم حداثة سنه إلا أنه سيدرك ذلك ومن خلال التربية السوية للطفل فإن الأسرة سوف تراعي حقوقه من خلال حقه في الرضاعة، حقه في تسميته تسمية حسنة، وجوب الإنفاق عليه، رعايته من جميع الجوانب: الاجتماعية، النفسية، الدينية.

وأن تراعي الأسرة العدل بين أطفالها وعدم التفرقة بينهم في المعاملة ، مثل تعليم الأسرة لطفلها كيف يؤدي العبادات، وبالطبع الطفل لم يؤد الصلاة إذا لم يجد القدوة في المنزل ترشده وتهديه إلى ذلك وتقيس ذلك على الكثير من العبادات وخاصة الصيام، قول الصدق، الإحسان إلى الآخرين ولذا فإن التدريب على الصلاة يعد من أهم أدوار الأسرة.

ويضيف على الآباء أن يكونوا مرنين في التعامل مع أولادهم فيعاملونهم بأسلوب العصر حتى لا نترك أطفالنا في اغتراب نظن أننا نحميهم فنعلمهم الكثير من السلوكيات غير الحميدة مثل الكذب، مرافقة الكثير من الأشخاص الذين قد يفسدونهم بالفعل لاننا نكون قد فشلنا في ضم أولادنا بالموعظة الحسنة.

المدرسة والتنشئة الدينية

ويؤكِّد الدكتور على الدور الكبير الذي تلعبه المدرسة في تنشئة الطفل وخصوصاً في المرحلة الابتدائية من خلال توجيه الطفل إلى السير إلى الطريق المنشود والتمييز بين الخير والشر وربط الدين بواقع المجتمع.

ويضيف أنه لا يجب أن يختزل دور التربية الإسلامية في إطار تربية دينية، بل يجب أن تستخدم التربية الدينية في المدارس وسائل مناسبة تستهدف تكوين الشخصية الإسلامية، وعلى القائمين على مناهج التربية الدينية أن يراعوا احتواءها على الكثير من القضايا الحياتية والمعاصرة التي يواجهها الطالب أو من الممكن أن يتعرض لها؛ لأن هذه المعرفة ليست عملاً ترفيهياً، بل هي ضرورة حياتية تهدف ضمن ما تهدف إلى صقل عقلية الطالب في عصر تكثر فيه الشبهات والضلال والإلحاد.

الإعلام والتنشئة الدينية

ويؤكِّد د. محمد على دور الإعلام في عملية التنشئة بكافة ألوانها وأشكالها سواء كانت إذاعة أم تليفزيوناً أم صحافة ولا شك أن هذه الوسائل تحتوي على الأشياء الهادفة والأشياء السطحية فماذا نفعل إزاء ذلك.
نحن لا نستطيع في الغالب أن نمنع الأولاد من المشاهدة أو القراءة أو حتى دخول النت.
ما نستطيع فعله إزاء أولادنا أن نمارس حقنا كآباء في منع هذه الأشياء من التسلل إلى أولادنا ولعل نظام إغلاق بعض القنوات والتحكم يضىء الأمل في إمكانية أن نقدم لأولادنا ما نظن أنه مناسب وصحي ويرتقي بهم.
ولا تستطيع وزارة إعلام في أى دولة أن تغلق سماءها المفتوحة أمام هذا الغزو ولذا لا أمل لنا من هذا إلا بمزيد من الفهم لتراثنا، ديننا السمح، هويتنا الثقافية.

الإعلام والقيم

وفي الختام شدد الدكتور على قيام وسائل الإعلام بدورها من خلال التأكيد على قيم وعادات وتقاليد المجتمع العربي والإسلامي وليس شرطاً أساسياً أن تتحول هذه القيم إلى شعارات تفرض حتى تفقد مغزاها، ولكن من خلال إدماج القيم في العديد من المواد الإعلامية المقدمة .

إن وسائل الإعلام تلعب دوراً خطيراً في تشكيل الوجدان والقيم والفكر والعقيدة ويمكن زيادة البرامج الدينية التي تقدم مثل البرامج الجماهيرية التي تقدم مباشرة وتتلقى أى تساؤلات من المشاهدين والمشاهدات.
وهنا تقع على عاتق البرنامج أن يكون مفيداً إيجابياً، يفهم أصول الدين حتى يتم تشابك المواطن مع قضايا وطنه وأمته بصورة موضوعية.

معنى القدوة

القدوة هو الذي يقتدى ويحتذى به من حيث جعله أسوة ومثالاً ونموذجاً لسلوكيات وتصرفات الآخرين. وفي لسان العرب : يقال قدوة لما يقتدى به. وقال أيضا: والقدوة ما تسننت به1.

والإقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله، واتّباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي، وعادة ما يمثل شخص المقتدَى به قدراً من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه، والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يستطيع من أقوال وأفعال.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الإقتداء إلغاءً أو مصادرة للرأي والإرادة، أو ممارسة لضغط ما، أو قسر المقتدي على أمر معين؛ لأن الإقتداء ينطلق من قناعة صاحبه؛ فهو جزء من إرادته.

القدوة في النص الديني

تحدثت آيات القرآن الكريم والروايات الواردة عن أهل البيت  حول القدوة وأهميتها ودورها ومن جملة ذلك:

قال الله تعالى : ﴿أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه‏﴾2 .

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه بالاقتداء بالأنبياء السابقين. والآية الشريفة تجعل منهاج الأنبياء العظام قدوة ترافقها الهداية لا بل هي من لوازمها غير المنفكة. يقول صاحب تفسير الأمثل: "تؤكد هذه الآية مرة أخرى على أن أصول الدعوة التي قام بها الأنبياء واحدة، بالرغم من وجود بعض الاختلافات الخاصة والخصائص اللازمة التي تقتضيها الحاجة في كل زمان ومكان، وكل دين تال يكون أكمل من الدين السابق... ولكن ما المقصود من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يهتدي أولئك الأنبياء. يقول بعض المفسرين إن المقصود قد يكون هو الصبر وقوة التحمل والثبات في مواجهة المشاكل ويقول بعض آخر انه التوحيد وإبلاغ الرسالة ولكن يبدو أن للهداية معنى واسعاً يشمل التوحيد وسائر الأصول العقائدية كما يشمل الصبر..." 3

وحث الله سبحانه الأمة على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ في‏ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثيراًً﴾4 .

يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: " والمعنى من حكم رسالة الرسول وإيمانكم به أن تتأسوا به في قوله وفعله وانتم تروون ما يقاسيه في جنب الله وحضوره في القتال وجهاده في الله حق جهاده..."5 وقال صاحب تفسير الأمثل : " فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير نموذج لكم ، لا في هذا المجال وحسب ، بل وفي كل مجالات الحياة6 كما حث الله تعالى الناس على الاقتداء بالأنبياء والرسل وطلب إتباعهم: ﴿ قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في‏ إِبْراهيمَ والَّذينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه‏﴾7 .

وهناك العديد من الآيات الشريفة التي تحدثت عن الاقتداء بالأنبياء والرسل والمؤمنين لما يشكلون من قيمة في حياتهم سواء على مستوى السلوك أو الفكر . فإذا كان هدف الأنبياء هداية البشر فإنهم سيؤدون هذا الدور بسلوكهم وأفكارهم إذ ينبغي أن يكون وجودهم وسيلة للهداية.

وقد تناولت العديد من الروايات مسألة القدوة لناحية أهميتها ودورها, عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: " من سنّ سنة حسنة فله أجرها واجر من

عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شئ"8 . وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال أيضا: " في القلوب نور لا يضيء إلا من إتباع الحق وقصد السبيل وهو نور من المرسلين الأنبياء مودع في قلوب المؤمنينًً 9

عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: " لا طريق للأكياس من المؤمنين اسلم من الاقتداء لأنه المنهج الأوضح والمقصد الأصح. قال الله عز وجل لأعز خلقه محمد ﴿أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهًً فلو كان لدين الله تعالى عز وجل مسلك أقوم من الاقتداء لندب أنبياءه وأولياءه إليهًً﴾10 والروايات في موضوع القدوة كثيرة نكتفي بما اشرنا إليه.

أهمية القدوة

إذا كانت الأديان السماوية قد أعطت أهمية كبيرة وواضحة للقدوة وبالأخص القدوة الحسنة لما تمثله هذه القدوة على مستوى تقريب الأفراد من الغاية أو الهدف (القرب من الله تعالى)، فان للقدوة أهمية واضحة على مستوى الحركة الاجتماعية والتربوية. لان الوصول إلى مرحلة من مراحل التكامل البشري حيث ينتفي الشر ويسود العدل والوئام وبالتالي بناء مجتمع سليم يقوم على أساس المبادئ والقيم والأفكار التي من شأنها

السمو إلى أعلى المستويات ، كل ذلك يقتضي وجود قدوة يتبعها الأفراد وتشكل نموذجا فريداً وهاماً على مستوى المجموع ، وذلك بغض النظر عما إذا كانت القدوة تتمثل في شخص بشري تشكل سلوكياته وأفكاره وممارساته وحركة حياته والقيم التي يتبعها ، قدوة للآخرين؛ أو أن تتجلى القدوة في عقيدة أو فكر أو نموذج أو مثال معين.

وتبرز أهمية القدوة في الجوانب التالية:

القدوة واحدة من أهم وابرز أساليب التربية. وإذا كان المقصود في الاجتماع البشري الوصول إلى مرحلة إنتاج فرد سليم ومفيد للمجتمع فإن ذلك لن يتحقق من دون العمل على جعل الأفراد سالمين مفيدين فتكون القدوة أهم وسيلة لتحقيق ذلك. ولو عدنا إلى التاريخ البشري وتاريخ الأديان لوجدنا أن القدوة قد لعبت هذا الدور التربوي إذ أنها تفيد في نقل الأفكار والقيم والسلوكيات الصحيحة إلى الآخرين. وقد تشير هذه المسألة إلى عدم جدوائية التلقين الذي يتبعه البعض في العملية التربوية. فقد لا يقتنع ولا يؤمن الفرد إذا وجد أن الملقن لا يؤمن ولا يعتقد ولا يوقن، أما عندما نقدم القدوة كنموذج أساسي للتربية فإن التأثير في النفوس سيكون اقوي لا محالة.

وفي هذا الإطار يفيد التذكير بما توجه به الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه ﴾ على أساس أن المهتدين من المتقدمين على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يحملون من القيم والسلوكيات والعقائد السوية

ما يجعل ما يحملون محل تقدير وأهمية على مستوى الواقع لذلك طلب من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الاقتداء بهم والسير في نفس الطريق السوي والسليم الذي يعبر عن حقيقة رسالة الله تعالى والتي جوهرها الهداية للمجتمعات البشرية.

والقدوة بهذا المعنى وهذه الصورة حالة ضرورية لجميع الأفراد بغض النظر عن الكبير والصغير والمتعلم والأمي، بل هي ضرورية للجميع إذ كما قلنا تقدم نموذجا تربويا تحتاجه البشرية في جميع تفاصيل الحياة.

ليس بعيداً عن ما تقدم من البعد التربوي المتقدم، فإن الأشخاص يميلون ويرغبون في أن تكون حياتهم مجبولة بالبطولات والكمالات، ولا يمكن لأي شئ أن يترك آثاره على الشخص كما يتركه العمل. فالبشر تبتعد بطبيعتها عن المجردات والأساطير والأمور التي لا اثر لها على ارض الواقع وتميل نحو الكمالات والبطولات الواقعية لأنها تحاكي الحقيقة التي تعيش بينها.

من هنا يمكن الحديث عن القدوة على أساس أنها مدرسة تقدم للأشخاص والأفراد نماذج واقعية عن تلك الكمالات والبطولات وما يريد أن يصل إليه الإنسان فيتقدم الشخص نحو القدوة ويتأثر منها وينهل من مضمونها عله يتمكن بذلك من الوصول إلى ما يصبو إليه.

وإذا كانت القدوة تلعب هذا الدور، فإنها ستكون مطلوبة بشكل اكبر عند الأفراد إذا علموا وجود كمالات حقيقية اكبر وارفع واهم من التي اعتادوا عليها في حياتهم المادية. وبعبارة أخرى إذا أدرك الشخص وجود كمال

اكبر من الكمال المادي وأدرك حقيقة وجوده في الشخص الفلاني والمكان الفلاني والعقيدة الفلانية... فإنه يسعى نحو ذلك بهدف تحصيل ذلك الكمال والوصول إليه . ومن هنا نقول ان الدين قدم نظاما متكاملاً يهدف قبل أي شئ إلى نقل الإنسان نحو الكمال اللامتناهي، وقدم الدين أيضا النماذج الحقيقية التي يتجلى فيها ذاك النظام. فعمل هؤلاء الأشخاص بكل وجودهم على تكريس حقيقة الدين. فكانوا القدوة وكانت أفكارهم قدوة أيضا لذلك فإن من يتذوق طعم تلك الكمالات لا بد ان يسعى نحوها.

وتبرز أهمية القدوة بالإضافة إلى ما تقدم على مستوى إقناع الآخرين بإمكانية الوصول إلى الفضائل. فإذا سلمنا بان الشخص الفلاني يشكل قدوة للآخرين لما يتمتع به من فضائل وأخلاقيات وصفات حسنة، فإن قبول الآخرين لوجود الفضائل وتصديقهم بإمكانية الوصول إليها والتحلي بها موقوف على وجودها في شخص معين. وهذا يعني القبول بواقعية تلك المفاهيم التي يظنها البعض من نسج الخيال أو من مكان بعيد عن الواقع.

من جهة أخرى قد لا يترك الكلام أثره على الشخص مهما طلب من الناس التحلي بالفضائل والإقبال عليها ولعل السبب في ذلك يعود إلى صعوبة التصديق بها والاقتناع بجدواها ، إلا ان العمل بها ووجودها في شخص القدوة يدفع الإنسان للرضوخ لها لا بل فهمها والعمل بها . ولعل هذا الأمر من خصائص السلوك البشري الذي لا يُقبل على أي عادة أو فكرة إلا بعد ان يدرك ويفهم أنها حقيقة واضحة وواقعية.

أركان القدوة

لا تتحقق القدوة في الشخص إلا إذا اجتمعت لديه مجموعة من الأركان والخصائص التي تجعله قدوة في نظر الآخرين ومن جملة ذلك:

الصلاح

وهي حالة أو هيئة تظهر عند الشخص تكون نتيجة عوامل متعددة من أبرزها (عند أصحاب الأديان): الأيمان وحسن الاعتقاد بالدين الذي ينتسب إليه والفضائل التي ينادي بها . وكذلك لا بد من توفر العبادة وهي العمل بأحكام ذاك الدين والشرائع التي سُنّت فيه، وبالتالي الابتعاد عن كل ما هو مخالف لهذه الشريعة، ثم ان الصلاح يحصل من خلال الإخلاص والذي هو الأساس الهام للصلاح لأنه هو العنصر الذي يظهر ويتجلى في حركات وسكنات المقتدى. فبواسطته يبتعد المقتدى عن الأهواء النفسانية والأغراض الدنيوية قولاً وعملاً، وبه تتجلى حقيقة العبادة.

حسن الخلق

لعل حسن الخلق عامل أساسي في شخصية القدوة، يتجلى ويظهر عند تعامل المقتدى مع الناس. ومن هنا جاء قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"11 للدلالة على جوانب القدوة في شخصيته إذ يبين ما تحتويه وما تختزنه هذه الشخصية من مكارم وفضائل ولتبين أهداف

البعثة والتي هي إيصال الأخلاق إلى أوجها، مما يجعل هذه الشخصيات محط أنظار الغير ومؤثرة في حركتها وحياتها الاجتماعية.

من جهة أخرى فقد تحدث الإسلام وحدد بعض المفاهيم التي تندرج في إطار تحسين الأخلاق في التعامل مع الآخرين ومن ابرز ما جاء: الصدق، الصبر، الرحمة، الرأفة، الشفقة، التواضع...

موافقة القول العمل

ان من المقتضيات الأساسية لصيرورة الشخص قدوة ان يشاهده المقتدون وقد توافق قوله مع عمله لان الناس تدرك حقيقة المفاهيم والفضائل إذا تجلت افعالاً.

وقد تحدث القرآن الكريم حول أهمية الموافقة بين القول والعمل موجهاً خطابه إلى المؤمنين : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُون‏كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾12 وقد توجه النبي شعيب عليه السلام إلى قومه كما يحدثنا القرآن الكريم: ﴿ وَما أُريدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْه﴾13 .
الابتعاد عن مواطن الشبهات

قد يكون الشخص صالحا حسن الأخلاق عاملا بما يقول ولكنه لا يؤثر


في الآخرين لكثرة اقترابه من مواطن يشتبه بها بحيث لا يمكن للآخرين التمييز فيها بين الحق والباطل وبين نسبة الفعل الباطل إلى فلان أو إلى فلان، فقد ينسبون ذلك إلى الإنسان الصالح جهلاً، وهنا يترتب على الإنسان مسؤولية الابتعاد عن مواطن الشبهات :ًً من وضع نفسه في مواطن الشبهة فلا يلومن من أساء به الظن14

طبعا المسؤولية هنا مزدوجة حيث ينبغي على المؤمن الابتعاد عن مواطن الشبهة وعليه أيضا الابتعاد عن سوء الظن والتسرع في نسبة الأحكام.

عدم التكلف

من جملة الأمور التي يمكن الحديث عنها كأساس واصل للقدوة، ان لا يتكلف الشخص ذلك فلا يفعل ليرى الناس وليماري في عمله ، بل القدوة هو الذي يؤمن ويعتقد ويعمل بذلك من دون تكلف ولا مجاراة ولا طلب من احد ، فهو شخص يعيش ضمن إطار قناعاته فبتصرف على أساس ذلك في السر والعلن . ولعل هذا الأمر موقوف والى درجة كبيرة على مقدار تربية الشخص نفسه وجعلها تتحرك في إطار الكمالات وذلك في كافة تفاصيل الحياة الاجتماعية.

الخاتمة

إذا كان للقدوة ذاك الدور الهام والضروري فان الأهمية والضرورة تبرز عند الحديث عن دين الهي يحمل في طياته القيم الإنسانية الراقية التي ترتفع بالإنسان إلى أعلى مستويات الصفاء والطهارة والرقي فتجعله في مصاف الأخيار والصالحين والمفيدين على مستوى الاجتماع البشري ، ولكن وقبل كل شيء وكما نلاحظ من بعض الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين فإنهم كانوا عليهم السلام يدعون أتباعهم ليجسدوا الدين والدعوة الإلهية بأعمالهم وأفعالهم قبل الأقوال وهذا يعني أن دين الله تعالى يتجسد بشكله الواقعي إذا كان مدّعوا الأديان يجسدون حقيقة الدين بشكل عملي . من هنا ينبغي القول أن نشر دين الله تعالى لن يتحقق بشكله الحقيقي إلا إذا عمدنا إلى تربية أشخاص يجسدون القدوة في حياتهم وممارساتهم العملية ، وهذا يعني أن الشخصانية يجب أن تبرز في المستوى الضروري لتقديم صورة عن الدين وبذلك نضمن قبول الآخرين وإيمانهم وثباتهم.

"القدوة" "الرموز الشخصية" "المثل الأعلى" جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وتبدو تلك المفاهيم ذات أهمية وتأثير قوي، خاصة في المجتمعات التي لا تزال في طور النمو والتطور، كيف يمكن لمفهوم القدوة أو المثل الأعلى أن يكون مدمّرًا وخطرًا على الفرد والجماعة؟


"القِدوة" أو"القُدوة" في اللغة تعني الأسوة، وتدل على الشيء الذي تقتبسه وتهتدي به، وعلى هذا هناك فرق بَيِّنٌ بَيْنَ القدوة والقدوة الحسنة؛ فالقدوة لا يشترط فيها أن تكون حسنة، فقديمًا اقتدت الأمم التي حل عليها عذابُ الله وسخَطُه بالآباء والأجداد، ولم يكن هؤلاء قدوة حسنة في انحرافهم عن الصواب والتوحيد، ومع هذا اتبعهم أبناؤهم وأحفادُهم، فكانت نتيجة اقتدائهم بهم الهلاك، إذًا لماذا اقتدى الأبناء بالآباء على الرغم من كونهم قدوة سيئة؟ ولماذا لم يميز هؤلاء ولم يتبينوا فساد القدوة التي اتبعوها؟

قد يكمن الجواب في طبيعة المجتمعات، والطبيعة البشرية التي فُطر عليها الإنسان، في علم النفس اعتقادٌ بأن العقل الجمعي هو دومًا أقلُّ تحضرًا من العقل الفردي؛ لأن الجماعة حين تجتمع تهيمن عليها الصفات المشتركة، ولأن التميز يتمثل في القلة دومًا؛ فالصفات المشتركة لا تمثل غير التدني في الفِكر والرقي، وكذلك السطحية، لا ريب إذًا أن الحُكم الذي أصدره العقل الجمعي كان السبب في الخلط والتشويش الذي أصاب الأمم السابقة، وأن العقل الفردي الذي ميَّز بعض أفراد تلك الأمم كان السبب وراء تنبههم لرسالات الرسل، واهتدائهم بهم، ولعل حال الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه بين قريش قبل الإسلام يُعَد مثالاً على ذلك.

ماذا عن المستوى الفردي اليوم؟
ثمة اختلاط كبير في الأذهان بين مفهوم القدوة بشكل عام، ومفهوم القدوة الحسنة بشكل خاص؛ فالأبناء يشِبُّون وقد وضعوا في أذهانهم أن الأبَ أو الأم هو القدوةُ التي يفترض أن تكون، وبالرغم من قصور الأبِ والأم أحيانًا نجد أن الابن لا يميز ذلك، بل وتفرض عليه طبيعة المجتمع أن يحتذي بوالديه أو أحدهما؛ لكي يحكم عليه المجتمع بكونه ابنًا بارًّا، هذا ليس إلا صورة لِما كان سائدًا في الماضي، فإن لم يكن الأب أو الأم قدوة حسنة حقيقية فلا ضرورة لأن يحتذيَ بهما الابن، وإلا نشأ مهتديًا بقدوةٍ ليست على الدرجة المطلوبة من الكفاءة والمثالية، وإن تفهَّم الأبُ والأم ذلك، فسيجدانِ أن عليهما الكثير ليهتمَّا به ليكونا مثالاً جيدًا للأبناء.

إن القدوة قد تتمثل في شخص أو جماعة؛ فقد تتخذ فلانًا - سواء كان حاضرًا أم ماثلاً بالذهن - قدوة لك، وقد تتخذ جماعة أو مجتمعًا قدوة لك، ومع هذا يبدو أن القدوة يمكن أن تنقسم وتصبح أكثر تفصيلاً؛ فقد تقتدي بفلان في جانبه الأخلاقي، وتقتدي بفلان في فكره الاقتصادي، وهكذا، وقد تقتدي بتلك الجماعة في التزامها وانضباطها العملي، وفي تلك بتحضُّرها وحفاظها على البيئة، هذا يعني ضرورة أن نعيَ جيدًا خطورة ما يمكن أن نسميه بالرموز الشخصية أو "شخصنة القدوة" إن صح التعبير، فلست مطالبًا على سبيل المثال باتباع معلمك - الذي هو قدوة لك في نبوغه العلمي - كقدوةٍ في كل جوانب حياته، التي من بينها عدمُ ترشيده لاستهلاك المال، أو اهتمامُه بالمظاهر بشكل مبالَغ فيه، الحقيقة أن ما يحدث في مجتمعاتنا هو كذلك، يختار الواحد قدوة ما فيلازمها في كل جوانبها دون تفكير أو تمييز، وعلى مستوى القدوة المجتمعية نجد تلك الظاهرة أيضًا، حتى إن من ينتقدون مجاراة الطابع الأوروبي في الحياة حين يناقشون المسألة يناقشونها ككل، والأمر بحاجة لنظرة تفصيلية دقيقة ورؤية تحليلية جادة.

"المثَل الأعلى": هو أيضًا محل خلاف وخلط في الأذهان، قد تسأل أحدهم: من مثَلك الأعلى؟ فيجيب مباشرة: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإن سألته عنه لم تجد لديه ما يكفي من المعلومات والمعرفة الكافية، كيف إذًا اتخذه مثلاً أعلى؟ وكيف لم يحاول الاستزادة حول مثله الأعلى؟

البعض يتخذ والده مثلاً أعلى، فيحاول تقمص شخصيته بكل ميزاتها وعيوبها، وتراه يخلط بين القيمة الجيدة في شخصية والده وبين شخصية والده ذاتها؛ فقد يكون والده قارئًا جيدًا يعشق القراءة، ولكنه يحب قراءة الكتب السياسية أكثر من غيرها، فماذا يرى الابن؟ يرى أن عليه أن يقرأ في السياسة بالتحديد كوالده؛ لأن والده هو مثَله الأعلى، هو لم يميز بدقة بين قيمة القراءة لدى والده وحرصه عليها، وإنما خلط قيمة القراءة بميول والده ورغباته كشخص، وقد لا تتوافق ميولُ الوالد وولده، فيحدث الارتباك، وقد يقع الابن فريسة لذلك الارتباك، فهو يريد أن يقرأ كوالده، ولكنه لا يرغب بالسياسة، ولأن والده يقرأ في السياسة يشعر هو بالذنب؛ فهو ليس كوالده، وتنتابه الشكوك، ربما هو ليس كفئًا كوالده، ربما هو شخصية غير ناضجة، ربما هو جاهل في نظر والده وفي نظر المجتمع، وهكذا.

إن تمييز المفاهيم ومساعدة النشء الجديد على فهمها بشكل صحيح أمرٌ على قدر كبير من الأهمية، ولأجل هذا نحن بحاجة لعملية توعية مجتمعية تستهدف الآباء والأمهات من الشباب بالدرجة الأولى، وبحاجة لنشر الثقافة والمعرفة للنشء الجديد، فنعرفهم بالرموز التاريخية والحاضرة في مختلف المجالات، نطلعهم بوضوح على جوانب التميز وجوانب القصور، ونساعدهم في فهم الشخصيات والحُكم عليها، ونترك لهم مساحة كافية للحُكم بحرية، فليس المطلوب أن نختار لهم من يقتدون بهم، وإنما تعليمهم كيف يختارون قدوتهم؟ وكيف يميزون بين القدوة الحسنة والسيئة؟ وكيف يعزلون القيمَ الجيدة عن ميول الأشخاص واتجاهاتهم، بل وشخوصهم وعلاقتهم بهم.